فتأملوا المعنى الذي اشترك المبتدع فيه مع هاتين الفرقتين، وذلك مضادة الشارع فيما شرع، لأن الله تعالى أنزل الكتاب وشرع الشرائع، وبيَّن الطريق للسالكين على غاية ما يمكن من البيان، فضادّها الكافر بأن جحدها جحدًا، وضادها كاتمها بنفس الكتمان، لأن الشرع يبين ويظهر، وهذا يكتم ويخفي، وضادها المبتدع بأن وضع الوسيلة لترك ما بيَّن وإخفاء ما أظهر، لأن من شأنه أن يدخل الإشكال في الواضحات، من أجل اتباع المتشابهات لأن الواضحات تهدم له ما بني عليه في المتشابهات فهو آخذ في إدخال الإشكال على الواضحات حتى يرتكب ما جاءت اللعنة في الابتداع به من الله والملائكة والناس أجمعين.
وأما أن يزداد من الله بعدًا. فلما روى عن الحسن أنه قال: صاحب البدعة ما يزداد من الله اجتهادًا، صيامًا وصلاة، إلا ازداد من الله بعدًا. وعن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا. ويصحح هذا النقل ما أشار إليه الحديث الصحيح في قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخوارج «يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم...» إلى أن قال: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». فبيَّن أولاً اجتهادهم ثم بيَّن آخرًا بُعدهم من الله تعالى. وهو بين أيضًا من جهة أنه لا يقبل منه صرف ولا عدل كما تقدم، فكل عمل يعمله على البدعة فكما لو لم يعمله ويزيد على تارك العمل بالعناد الذي تضمنه ابتداعه، والفساد الداخل على الناس به في أصل الشريعة، وفي فروع الأعمال والاعتقادات، وهو يظن مع ذلك أن بدعته تقربه من الله وتوصله إلى الجنة(1). وقد ثبت بالنقل الصحيح الصريح بأنه لا يقربه من الله إلا العمل بما شرع، وعلي الوجه الذي شرع وهو تاركه، وأن البدع تحبط الأعمال وهو ينتحلها.
(1) وجه رائع لبيان كيف يجتمع العناد مع الجهل في حالة الضلالة والبدعة.