فمما جاء من ذلك ما تقدم ذكره عن حذيفة - رضي الله عنه - أنه أخذ حجرين فوضع أحدهما على الآخر ثم قال لأصحابه: هل ترون ما بين هذين الحجرين من النور؟ قالوا: يا أبا عبد الله! ما نرى بينهما إلا قليلاً، فقال: والذي نفسي بيده لتظهرن البدع حتى لا يرى من الحق إلا قدر ما بين هذين الحجرين من النور، واللهِ لتفشونَّ البدع حتى إذا ترك منها شيء قالوا تركت السنة وله أثر آخر قد تقدم... وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدع وتموت السنن.
وأما أن صاحبها ملعونٌ على لسان الشريعة: فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث حدثًا أو آوي محدثًا فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين».
وعُدَّ من الإحداث، الاستنان بسنَّة سوء لم تكن.
وهذه اللعنة قد اشترك فيها صاحب البدعة مع من كفر بعد إيمانه، وقد شهد أن بعثة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - حق لا شك فيها ، وجاءه الهدي من الله والبيان الشافي، وذلك قول الله تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ ﴾ إلى قوله ﴿ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ (1) إلى آخرها.
واشترك أيضًا مع من كتم ما أنزل الله وبينه في كتابه. وذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ ﴾ (2) إلى آخرها.
(1) آل عمران، الآيتان: 86-87.
(2) البقرة، الآية: 159.