تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه دليلاً، فكيف له بالعصمة والدخول تحت هذه الرحمة؟ وقد حلَّ يده من حبل العصمة إلى تدبير نفسه، فهو حقيق بالبعد عن الرحمة. قال الله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ (1) بعد قوله: ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِه ﴾ (2) فأشعر أن الاعتصام بحبل الله هو تقوى الله حقًا وأن ما سوى ذلك تفرقة، لقوله ﴿ وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ والفرقة من أخسِّ أوصاف المتبدعة، لأنه خرج عن حكم الله وباين جماعة أهل الإسلام.

وأما أن الماشي إليه والموقِّر له معين على هدم الإسلام فقد تقدم من نقله وروى أيضًا مرفوعًا: «من أتى صاحب بدعة ليوقره، فقد أعان على هدم الإسلام» وعن هشام بن عروة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «من وقَّرَ صاحبَ بدعةٍ فقد أعان على هدمِ الإسلامِ». ويجامعها في المعنى ما صح من قوله - صلى الله عليه وسلم - «من أحدث حدثًا أو آوي محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين...» الحديث. وعلي كل حال فتحيا البدع وتموت السنن، وهو هدم الإسلام بعينه. وعلي ذلك دلَّ حديث معاذ: «فيوشك قائل أن يقول: ما لهم لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبَّعي حتى أبتدع لهم غيره، وإياكم وما ابتدع، فإن كل ما ابتدع ضلالة»، فهو يقتضي أن السنن تموت إذا أحيت البدع، وإذا ماتت انهدم الإسلام. وعلي ذلك دلَّ النقل عن السلف زيادة إلى صحة الاعتبار، لأن الباطل إذا عمل به لزم ترك العمل بالحق كما في العكس، لأن المحل الواحد لا يشتغل إلا بأحد الضدين. وأيضًا فمن السنة الثابتة ترك البدع، فمن عمل ببدعة واحدة فقد ترك تلك السنة.

(1) آل عمران، الآية: 103.

(2) آل عمران، الآية: 102.

البلاغ المبين · الصفحة ٥٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٥٢٦