وفي ”المبسوطة“ عن يحيى بن يحيى أنه ذكر الأعراف وأهله فتوجع واسترجع ثم قال: قومٌ أرادوا وجهًا من الخير فلم يصيبوه فقيل له: يا أبا محمد! أفيرجي لهم مع ذلك لسعيهم ثواب؟ قال: ليس في خلاف السنة رجاء ثواب.
وأما أن صاحب البدعة تنزع منه العصمة ويوكل إلى نفسه فقد تقدم نقله، ومعناه ظاهر جدًا ، فإن الله تعالى بعث إلينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين حسبما أخبر في كتابه، وقد كنا قبل طلوع ذلك النور الأعظم لا نهتدي سبيلاً، ولا نعرف من مصالحنا الدنيوية إلا قليلاً على غير كمال، ولا من مصالحنا الأخروية قليلاً ولا كثيراً، بل كل أحد يركب هواه وإن كان فيه ما فيه ويطرح هوى غيره فلا يلتفت إليه، فلا يزال الاختلاف بينهم والفساد فيهم يخص ويعم، حتى بعث الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - لزوال الريب والالتباس، وارتفاع الخلاف الواقع بين الناس، كما قال تعالى ﴿ كان النَّاس أمةً واحدةً فبعث الله النبيِّين ﴾ إلى قوله ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ (1)، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾ (2) ولم يكن حاكمًا بينهم فيما اختلفوا فيه إلا وقد جاءهم بما ينتظم به شملهم، وتجتمع به كلمتهم، وذلك راجع إلى الجهة التي من أجلها اختلفوا، وهو ما يعود عليهم بالصلاح في العاجل والآجل ويدرأ عنهم الفساد على الإطلاق، فانحفظت الأبدان والدماء والعقل والأنساب والأموال، من طرق يعرف مآخذها العلماء وذلك القرآن المنزل على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قولاً وعملاً وإقرارًا، ولم يُردوا إلى تدبير أنفسهم للعلم بأنهم لا يستطيعون ذلك ولا يستقلون بدرك مصالحهم ولا تدبير أنفسهم فإذا ترك المبتدع هذه الهبات العظيمة، والعطايا الجزيلة، وأخذ في استصلاح نفسه أو دنياه بنفسه بما لم يجعل الشرع
(1) البقرة، آية: 213.
(2) يونس، الآية: 19.