تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن المستحسن للبدع يلزمه عادة أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعد، فلا يكون لقوله تعالى ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ (1) معنى يعتبر به عندهم، ومحسن الظن منهم يتأولها حتى يخرجها عن ظاهرها، وذلك أن هؤلاء الفرق التي تبتدع العبادات أكثرها مما يكثر الزهد والانقطاع والانفراد عن الخلق، وإلي الاقتداء بهم يجري أغمار العوام، والذي يلزم الجماعة وإن كان أتقى خلق الله لا يعدونه إلا من العامة أما الخاصة فهم أهل تلك الزيادات، ولذلك تجد كثيرًا من المعتزين بهم، والمائلين إلى جهتهم، يزدرون بغيرهم ممن لم ينتحل مثل ما انتحلوا، ويعدونهم من المحجوبين عن أنوارهم، فكل من يعتقد هذا المعنى يضعف في يده قانون الشرع الذي ضبطه السلف الصالح، وبيَّن حدوده الفقهاء الراسخون في العلم، إذ ليس هو عنده في طريق السلوك بمنهض حتى يدخل مدخل خاصتهم، وعند ذلك لا يبقى لعمل في أيديهم روح الاعتماد الحقيقي، وهو باب عدم القبول في تلك الأعمال، وإن كانت بحسب ظاهر الأمر مشروعة، لأن الاعتقاد فيها أفسدها عليهم، فحقيق أن لا يقبل ممن هذا شأنه صرف ولا عدل، والعياذ بالله!.

وأما الثاني: وهو أن يراد بعدم القبول لأعمالهم ما ابتدعوا فيه خاصة فيظهر أيضًا، وعليه يدل الحديث المتقدم «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردٌ » والجميع من قوله: «كل بدعة ضلالة» أي أن صاحبها ليس على الصراط المستقيم، وهو معنى عدم القبول، وفق قول الله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه ﴾ (2) وصاحب البدعة لا يقتصر في الغالب على الصلاة دون الصيام، ولا على الصيام دون الزكاة، ولا على الزكاة دون الحج، ولا على الحج دون الجهاد، إلى غير ذلك من الأعمال لأن الباعث له على ذلك حاضر معه في الجميع، وهو الهوى والجهل بشريعة الله.

(1) المائدة، آية: 3.

(2) الأنعام، الآية: 153.

البلاغ المبين · الصفحة ٥٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٥٢٤