قال ابن عطية: هذه الآية تعم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدال والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل ومنطقة لسوء المعتقد. ويريد ـ والله أعلم ـ بأهل التعمق في الفروع ما ذكره أبو عمر بن عبد البر في فصل ذمِّ الرأي من كتاب العلم له ـ وسيأتي ذكره بحول الله ـ وحكى ابن بطال في ”شرح البخاري“ عن أبي حنيفة أنه قال: لقيت ابن رباح بمكة فسألته عن شيء فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أنت من أهل القرية الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا؟ قلت: نعم. قال: من أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسبّ السلف، ويؤمن بالقدر ولا يكفِّر أحدًا بذنب، فقال عطاء: عرفت فالزم.
وعن الحسن قال: خرج علينا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يومًا يخطبنا، فقطعوا عليه كلامه فتراموا بالبطحاء، حتى جعلت ما أبصر أديم السماء. قال: وسمعنا صوتًا من بعض حجر أزواج النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقيل: هذا صوت أمِّ المؤمنين قال: فسمعتها وهى تقول: ألا إنَّ نبيَّكم قد برئ ممن فرَّق دينه واحتزب، وتلت ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾ . قال القاضي إسماعيل: أحسبه يعني بقوله: ”أم المؤمنين“ أمّ سلمة، وأن ذلك قد ذكر في بعض الحديث، وقد كانت عائشة في ذلك الوقت حاجّة. وعن أبي هريرة أنها نزلت في هذه الأمة، وعن أبي أمامة هم الخوارج. قال القاضي: ظاهر القرآن يدل على أن كل من ابتدع في الدين بدعة من الخوارج وغيرهم فهو داخل في هذه الآية، لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرَّقوا وكانوا شيعًا.
ومنها قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ - مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ (1) قرئ ﴿ فارقوا دينهم ﴾ وفسِّر عن أبي هريرة أنهم الخوارج ورواه أبو أمامة مرفوعًا.
(1) الروم، الآيتان: 31-32.