إلى أن يقول(1): ”الرابع“: أن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهى للشارع، لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سننها وصار هو المنفرد بذلك، لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون وإلا فلو كان التشريع في مدركات الخلق لم تنزل الشرائع ولم يبق الخلاف بين الناس، ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام. هذا الذي ابتدع في دين الله قد صيَّر نفسه نظيرًا ومضاهيًا حيث شَّرع مع الشارع وفتح للاختلاف بابًا ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك. ”والخامس“: أنه اتباع للهوى، لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع لم يبق له إلا الهوى والشهوة، وأنت تعلم ما في اتباع الهوى وأنه ضلال مبين ألا تري قوله تعالى: ﴿ يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ (2) فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده وهو الحق والهوى، وعزل العقل مجردًا إذ لا يمكن في العادة إلا ذلك وقال - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ (3) فجعل الأمر محصورًا بين أمرين اتباع الذكر، واتباع الهوى. وقال - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ ﴾ (4) وهى مثل ما قبلها، وتأملوا هذه الآية فإنها صريحة في أن من لم يتبع هدى الله في هوى نفسه فلا أحد أضل منه وهذا شأن المبتدع فإنه اتبع هواه بغير هدي من الله وهدى الله هو القرآن. وما بينته الشريعة وبينته الآية أن اتباع الهوى على ضربين: أحدهما: أن يكون تابعًا للأمر والنهي فليس
(1) الاعتصام، ج1، ص 50، طبعة المكتبة التجارية الكبري بمصر.
(2) ص، آية: 26.
(3) الكهف، آية: 28.
(4) القصص، آية: 50.