تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

«فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يؤول إلى الشرك، ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع(1) من الشرك. ويقول(2): ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع يفترق أهله، فكان لكل قوم من مشركي العرب طاغوت يتخذونه ندًا من دون الله فيقربون له ويستعينون به ويشركون به، وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء وهؤلاء ينفرون عن طاغوت هؤلاء. ولكن قد يكون لأهل هذا الطاغوت شريعة ليست للآخرين، كما أن أهل المدينة يهلون لمناة الثالثة الأخرى ويتحرجون من الطواف بين الصفا والمروة حتى أنزل الله ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ (3).

وهكذا تجد من يتخذ شيئًا من نحو هذا الشرك كالذين يتخذون القبور وآثار الأنبياء والصالحين مساجد، تجد كل قوم يقصدون بالدعاء والاستغاثة والتوجه من لا تعظمه الطائفة الأخرى بخلاف أهل التوحيد، فإنهم يعبدون الله وحده ولا يشركون به شيئًا في بيوته التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، مع أنه قد جعل لهم الأرض كلها مسجدًا وطهورًا، وإن حصل فيهم نزاع في شيء مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يوجب ذلك لهم تفرقًا واختلافًا، بل يعلمون أن المصيب منهم له أجران وأن المجتهد المخطئ له أجر على اجتهاده وخطؤه مغفور له، والله هو معبودهم وحده إياه يعبدون وعليه يتوكلون وله يخشون ويرجون وبه يستعينون ويستغيثون وله يدعون ـ يسألون ـ فإن خرجوا إلى الصلاة في المساجد كانوا مبتغين فضلاً منه ورضوانًا كما قال تعالى في نعتهم ﴿ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ (4).

(1) ذريعة من ذرائعه.

(2) المصدر السابق، ص 456.

(3) البقرة، آية: 158.

(4) الفتح، آية: 29.

البلاغ المبين · الصفحة ٤٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٤٩٨