تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رَبِّنَا } (1) فلا يصح أن يسمى مَنْ هذه حاله مبتدعًا ولا ضالاً وإن حصل في الخلاف أو خفى عليه، أما أنه غير مبتدع فلأنه اتبع الأدلة ملقيًا إليها حكمة الانقياد باسطًا يد الافتقار مؤخرًا هواه ومقدمًا لأمر الله، وأما كونه غير ضال فلأنه على الجادة سلك وإليها لجأ، فإن خرج عنها يومًا وأخطأ فلا حرج عليه بل يكون مأجورًا حسبما بينه الحديث الصحيح «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران»، وإن خرج متعمدًا فليس على أن يجعل خروجه طريقًا مسلوكًا له أو لغيره وشرعًا يدان به، على أنه إذا وقع الذنب موقع الاقتداء قد يسمى استنانًا فيعامل معاملة مَنْ سنَّه(2)، كما جاء في الحديث «من سنَّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» الحديث، وقوله - صلى الله عليه وسلم - «ما من نفس تقتل ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سنَّ القتل» فسمى القتل سنة بالنسبة إلى من عمل به عملاً يقتدى به فيه لكنه لا يسمى بدعة لأنه لم يوضع على أن يكون تشريعًا، ولا يسمى ضلالاً لأنه ليس في طريق المشروع أو في مضاهاته له. وهذا تقرير واضح يشهد له الواقع في تسمية البدع ضلالات ويشهد له أيضًا أحوال من تقدم قبل الإسلام وفي زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله تعالى قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ (3) فإن الكفار لما أمروا بالإنفاق شحوا على أموالهم وأرادوا أن يجعلوا لذلك الشح مخرجًا فقالوا ﴿ أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ﴾ ، ومعلوم أن الله لو شاء لم يحوج أحدًا إلى أحد لكنه ابتلي عباده لينظر كيف يعملون، فقص هواهم على هذا الأصل العظيم، واتبعوا ما تشابه من الكتاب بالنسبة

(1) آل عمران، آية: 7.

(2) أي من ابتدعه فيكون مبتدعًا.

(3) يس, آية: 47.

البلاغ المبين · الصفحة ٤٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٤٩١