تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأدلة بالتبع ومن شأن الأدلة أنها جارية على كلام العرب ومن شأن كلامها الاحتراز فيه بالظواهر، فقلما تجد فيه نصًا لا يحتمل حسبما قرره من تقدم في غير هذا العلم، وكل ظاهر يمكن فيه أن يصرف عن مقتضاه في الظاهر المقصود ويتأول على غير ما قُصِدَ فيه، فإذا انضم إلى ذلك الجهل بأصول الشريعة وعدم الاضطلاع بمقاصدها كان الأمر أشد وأقرب إلى التحريف والخروج عن مقاصد الشرع، فكان المدرك أعرق في الخروج عن السنة وأمكن في ضلال البدعة، فإذا غلب الهوى أمكن انقياد ألفاظ الأدلة إلى ما أراد منها، والدليل على ذلك أنك لا تجد مبتدعًا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي فينزله على ما وافق عقله وشهوته وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها قال تعالى: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ لكن إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح والقليل منها لا الكثير وهو أدل الدليل على اتباع الهوى، فإن المعظم والجمهور من الأدلة إذا دلَّ على أمر بظاهره فهو الحق، فإن جاء على ما ظاهره الخلاف فهو النادر والقليل، فكان من حق الظاهر رد القليل إلى الكثير، والمتشابه إلى الواضح غير أن الهوى زاغ بمن أراد الله زيغه فهو في تيه من حيث يظن أنه على الطريق بخلاف غير المبتدع فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه وأخَّرَ هواه ـ إن كان ـ فجعله بالتبع فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحًا في الطلب الذي بحث عنه فوجد الجادة وما شذَّ له عن ذلك، فإما أن يرده إليه، وإما أن يكله إلى عالمه ولا يتكلف البحث عن تأويله وفيصل القضية بينهما قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ﴾ إلى قوله { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ

البلاغ المبين · الصفحة ٤٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ٤٩٠