«وبقى مما هو محتاج إلى ذكره في هذا الموضوع شرح معنى عام يتعلق بما تقدم وهو أن البدع ضلالة، وأن المبتدع ضالٌ ومضل، والضلالة مذكورة في كثير من النقل المذكور ويشير إليها في الآيات الاختلاف والتفرق شيعًا وتفرق الطرق بخلاف سائر المعاصي فإنها لم توصف في الغالب بوصف الضلالة إلا أن تكون بدعة أو شبه البدعة، وكذلك الخطأ الواقع في المشروعات ـ وهو المعفو ـ لا يسمى ضلالاً ولا يطلق على المخطئ اسم ضال كما لا يطلق على المتعمد لسائر المعاصي، وإنما ذلك ـ والله أعلم ـ لحكمة قصد التنبيه عليها وذلك أن الضلال والضلالة ضد الهَدْى والهُدَى، والعرب تطلق الهُدى حقيقة في الظاهر المحسوس فتقول هديته الطريق وهديته إلى الطريق، ومنه نقل إلى طريق الخير والشر. قال تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ ﴾ (1)، ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ (2)، ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ (3) والصراط والسبيل والطريق بمعنى واحد فهو حقيقة في الطريق المحسوس ومجاز في الطريق المعنوي، وضده الضلال وهو الخروج عن الطريق. ومنه البعير الضال، والشاة الضالة، ورجل ضلَّ عن الطريق إذا خرج عنه، لأنه التبس عليه الأمر ولم يكن له هاد يهديه وهو الدليل. وصاحب البدعة لما غلب عليه الهوى مع الجهل بطريق السنة توهم أن ما ظهر له بعقله هو الطريق القويم دون غيره فمضى عليه فحاد بسببه عن الطريق المستقيم فهو ضال من حيث ظنّ أنه راكب للجادة، كالمار بالليل على الجادة وليس له دليل يهديه يوشك أن يضل عنها فيقع في متابعة(4)، وإن كان بزعمه يتحرى قصدها. فالمبتدع من هذه الأمة إنما ضلَّ في أدلتها حيث أخذها مأخذ الهوى والشهوة لا مأخذ الانقياد تحت أحكام الله وهذا هو الفرق بين المبتدع وغيره، لأن المبتدع جعل الهوى أول مطالبه وأخذ
(1) الإنسان، آية: 3.
(2) البلد، آية: 8.
(3) الفاتحة، آية: 6.
(4) يتتابع عليه الضلال حتي يفتقد الجادة تمامًا مهما طلبها.