ما يناقضه، وما علم غيرنا لم نقر به وجوَّزنا أن يكون في العقل ما يناقضه، أمكن تلك الطائفة أن تعارض بمثل ذلك فيقولون: بل نحن نقر علمنا الضروري ونقدح في علمهم الضروري بنظرياتنا، وأيضًا فمن المعلوم أن من شافهه الرسول بالخطاب يعلم من مراده بالاضطرار ما لا يعلم غيره، وإن من كان أعلم بالأدلة الدالة على مراد المتكلم كان أعلم بمراده من غيره وإن لم يكن نبيًا فكيف بالأنبياء، فإن النحاة أعلم بمراد الخليل وسيبويه من الأطباء، والأطباء أعلم بمراد بقراط وجالينوس من النحاة، والفقهاء أعلم بمراد الأئمة الأربعة وغيرهم من الأطباء والنحاة، وكل من هذه الطوائف يعلم بالاضطرار من مراد أئمة الفن ما لا يظنه غيرهم فضلاً عن أن يعلمه علمًا ضروريًا أو نظريًا، وإذا كان كذلك فمن له اختصاص بالرسول ومزيد علم بأقواله وأفعاله ومقاصده يعلم بالاضطرار من مراده ما لا يعلمه غيرهم، فإذا جوَّز لمن يحصل له هذا العلم الضروري أن يقوم عنده قاطع عقلي بنفي ما علم هؤلاء بالاضطرار لزم ثبوت المعارضة بين العلوم الضرورية والنظرية وأنه يقدم فيها النظرية، ومعلوم أن هذا فاسد، فتبين أن قول هؤلاء يستلزم من تناقضهم وفساد مذاهبهم وتكذيب الرسل ما يستلزم من الكفر والجهل، وأنه يستلزم تقديم النظريات على الضروريات، وذلك يستلزم السفسطة التي ترفع العلوم النظرية والضرورية.
البلاغ المبين · الصفحة ٤٧٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ٤٧٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي