ويقول(1): «وإن قالوا نحن لا نعلم شيئًا مما دلَّ عليه الشرع من الخبريات أو من غيرها، إلا أن نعلم بالاضطرار أن الرسول أخبر به فيقال لهم على هذا التقدير وكل ما لا يعلم شخص بالاضطرار أن الرسول أخبر به يجب أن ينفيه إذا قام عنده ما يظنه دليلاً عقليًا، فإن قالوا: نعم. لزم أنه يجوز لكل أحد أن يكذب بما لم يضطر إلى أن الرسول أخبر به، وإن كان غيره قد علم بالاضطرار أن الرسول أخبر به وحينئذ فيلزم من ذلك تجويز تكذيب الرسول ونفي الحقائق الثابتة في نفس الأمر والقول بلا علم والقطع بالباطل، وإن قالوا نحن إنما نجوز ذلك إذا قام دليل عقلي قاطع قيل هذا باطل لوجهين: ”أحدهما“: أنه إذا لم يعلم بالاضطرار أنه أخبر به كان على قولكم غير معلوم الثبوت، وحينئذ فإذا قام عنده دلالة ظنية ترجح النفي أخبر بموجبها وإن جوَّز أن يكون غيره يعلم بالاضطرار نقيضها. ”الثاني“ الأدلة القطعية ليست جنسًا متميزًا عن غيره ولا شيئًا اتفق عليه العقلاء، بل كل طائفة من النظار تدعي أن عندها دليلاً قطعيًا على ما تقوله مع أن الطائفة الأخرى تقول أن ذلك الدليل باطل، وأن بطلانه يعلم بالعقل بل قد تقول أنه قد قام عندها دليل قطعي على نقيض تلك، وإذا كانت العقليات ليست متميزة ولا متفقًا عليها وجوز أصحابها فيما لم يعلمه أحدهم بالاضطرار من أخبار الرسول أن يقدمها عليه لزم من ذلك تكذيب كل من هؤلاء بما يعلم غيره بالاضطرار أن الرسول أخبر به. ومعلوم أن العلوم الضرورية أصل للعلوم النظرية، فإذا جوَّز الإنسان أن يكون ما علمه غيره من العلوم الضرورية باطلاً، جوَّز أن تكون العلوم الضرورية باطلة، وإذا بطلت بطلت النظرية فصار قولهم مستلزمًا لبطلان العلوم كلها وهذا مع أنه مستلزم لعدم علمهم بما يقولون، فهو متضمن لتناقضهم ولغاية السفسطة. وإن قالوا ما علمنا بالاضطرار أن الرسول أراده أقررنا به ولم نجوز أن يكون في العقل
(1) درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص 104.