إلى أن يقول: إن الله يعلمه على ما هو عليه فيعلمه ممكنًا مقدورًا للعبد غير واقع ولا كائن لعدم إرادة العبد له أو لبغضه إياه ونحو ذلك لا لعجزه عنه وهذا النزاع يزول بتنوع القدرة عليه كما تقدم. فإنه غير مقدور القدرة المقارنة للفعل وإن كان مقدورًا القدرة المصححة للفعل التي هى مناط الأمر والنهي. إلى أن يقول: أما العاجز عن الفعل لا يطيقه كما لا يطيق الأعمى والأقطع والزمن نقط المصحف. فقد اتفقوا على أنه غير واقع في الشريعة وإنما تنازعوا في جواز الأمر به عقلاً. إلى أن يقول: وأما قول السائل وما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك وقد كان حريصًا على هدي أمته. فنقول: هذا السؤال مبني على الأصل الفاسد المتقدم المركب من الإعراض عن الكتاب والسنة وطلب الهدي في مقالات المختلفين المتقابلين بالنفي والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات الذين قال الله فيهم: ﴿ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ (1)، وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ﴾ (2)، قال تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ (3)، وقال تعالى: ﴿ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ (4) وقد تقدم التنبيه على منشأ الضلال في هذا السؤال وأمثاله وما في ذلك من العبارات المتشابهات المجملات المبتدعات سواء كان المحدث هو اللفظ ودلالته أو كان المحدث هو استعمال ذلك اللفظ في ذلك المعنى كلفظ أصول الدين حيث أدخل فيه كل قوم من المسائل والدلائل ما ظنوه هم من أصول دينهم وإن لم يكن من أصول الدين الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتبه كما ذكرنا وأنه
(1) البقرة، آية: 176.
(2) يونس، آية: 19.
(3) آل عمران، آية: 19 .
(4) المؤمنون، آية: 53.