.
أما قول السائل هل ذلك من باب تكليف ما لا يطاق؟ يقول بعد كلام: الصواب الذي عليه محققوا المتكلمين وأهل الفقه والحديث والتصوف وغيرهم ما دل عليه القرآن وهو أن الاستطاعة التي هى مناط الأمر والنهي وهى المصححة للفعل لا يجب أن تقارن الفعل، وأما الاستطاعة التي يجب معها وجود الفعل فهى مقارنة له. فالأولى كقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ (1)، وقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: «صلِّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلي جنب» ومعلوم أن الحج والصلاة يجب على المستطيع سواء فعل أم لم يفعل، فعلم أن هذه الاستطاعة لا يجب أن تكون مع الفعل. والثانية كقوله تعالى: ﴿ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ (2)، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا - الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ (3) على قول من يفسر الاستطاعة بهذه، وأما على تفسير السلف والجمهور فالمراد بعدم الاستطاعة مشقة ذلك عليهم وصعوبته على نفوسهم ونفوسهم لا تستطيع إرادته وإن كانوا قادرين على فعله لو أرادوه وهذه حال من صده هواه أو رأيه الفاسد عن استماع كتب الله المنزلة واتباعها وقد أخبر أنه لا يستطيع ذلك وهذه الاستطاعة هى المقارنة للفعل الموجبة له وأما الأولي فلولا وجودها لم يثبت التكليف كقوله - عز وجل -: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ (4)، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ (5) وأمثال ذلك فهؤلاء المفرطون والمعتدون في أصول الدين إذا لم
(1) آل عمران، آية: 97.
(2) هود، آية: 20.
(3) الكهف، الآيتان: 100-101.
(4) التغابن، آية: 16.
(5) الأعراف، آية: 42.