أو جهَّلها الأمة من غير أن يقصد أن يعتقدوا الجهل المركب، وأما أولئك فيقولون بل قصد أن يعلم الجهل المركب والاعتقادات الفاسدة وهؤلاء مشهورون عند الأمة بالإلحاد والزندقة، بخلاف أولئك فإنهم يقولون الرسول لم يقصد أن يجعل أحدًا جاهلاً معتقدًا للباطل، ولكن أقوالهم تتضمن أن الرسول لم يبين الحق فيما خاطب به الأمة من الآيات والأحاديث إما مع كونه لم يعلمه أو مع كونه علمه ولم يبينه.
إلى أن يقول: فهؤلاء الطوائف قد يقولون نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الأنبياء على ما يوافق مدلول العقل، وفائدة إنزال هذه المتشابهات المشكلات اجتهاد الناس في أن يعرفوا الحق بعقولهم ثم يجتهدوا في تأويل كلام الأنبياء الذين لم يبينوا به مرادهم أو إنا عرفنا الحق بعقولنا وهذه النصوص لم تعرف الأنبياء معناها كما لم يعرفوا وقت الساعة ولكن أمرنا بتلاوتها من غير تدبر لها ولا فهم لمعانيها أو يقولون بل هذه الأمور لا تعرف بعقل ولا بنقل بل نحن منهيون عن معرفة العقليات وعن فهم السمعيات، وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السمعيات. إلى أن يقول: وقد بينا في موضع آخر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلغ البلاغ المبين وبين مراده، وأن كل ما في القرآن والحديث من لفظ يقال فيه أنه يحتاج إلى التأويل الاصطلاحي الخاص الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره فلابد أن يكون الرسول قد بين مراده بذلك اللفظ بخطاب آخر لا يجوز عليه أن يتكلم بالكلام الذي مفهومه ومدلوله باطل ويسكت عن بيان المراد الحق، ولا يجوز أن يريد من الخلق أن يفهموا من كلامه ما لم يبينه لهم ويدلهم عليه لإمكان معرفة ذلك بعقولهم. إلى أن يقول: فمن زعم أنه تكلم بما لا يدل إلا على الباطل لا على الحق ولم يبين مراده وأنه أراد بذلك اللفظ المعنى الذي ليس بباطل وأحال الناس في معرفة المراد على ما يعلم من غير جهته بآرائهم فقد قدح في الرسول... والرسول أعلم الخلق