فكيف يقال إن الباطنية والاتحادية والرافضية والجهمية كل هؤلاء معذورون بسبب التأويل وأنهم مجتهدون مخطئون مغفور لهم خطؤهم!! وهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه لغلبة الهوى عليهم فأعماهم وأصمهم عن الحق فتكلموا فيما تكلموا فيه بظلم وجهل ودخلوا في معنى التفرقة والاختلاف المذموم بسبب الأهواء التي تتجارى بصاحبها كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا تدع عمومًا ولا تفصيلاً إلا دخلته وهم مع هذا ليسوا معاندين وإنما خالفوا الحق بالتأويل. وهم يحسبون أنهم مهتدون وأنهم يحسنون صنعًا أشربوا بدعهم وأعمتهم الضلالة عن الحق فكل من دخل في معنى الافتراق والتشيع والاختلاف المذموم فهو غير معذور وإنما معاقب مذموم لأنه دخل فيما دخل فيه بظلم وجهل.
يقول شيخ الإسلام(1): «فالنصارى تصدق بالباطل واليهود تكذب بالحق ولهذا كان في مبتدعة أهل الكلام شبه من اليهود وفي مبتدعة أهل التبعد شبه من النصارى فآخر أولئك الشك والريب وآخر هؤلاء الشطح والدعاوى الكاذبة لأن أولئك كذبوا بالحق فصاروا إلى الشك وهؤلاء صدقوا بالباطل فصاروا إلى الشطح فأولئك ﴿ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ (2)، وهؤلاء ﴿ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ (3). فمبتدعة أهل العلم والكلام طلبوا العلم بما ابتدعوه ولم يتبعوا العلم المشروع ويعملوا به فانتهوا إلى الشك المنافي للعلم بعد أن كان لهم علم بالمشروع لكن زاغوا فأزاغ الله قلوبهم وكانوا مغضوبًا عليهم ومبتدعة العبَّاد طلبوا القرب من الله بما ابتدعوه في العبادة فلم يحصل لهم إلا البعد منه فإنه ما ازداد مبتدع اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا والبعد عن رحمة الله هو اللعنة وهو غاية النصارى». أهـ.
(1) منهاج السنة، ج3، ص 42.
(2) النور، آية: 40.
(3) النور، آية: 39.