يقول في ”الصارم المسلول“ (1): «إن الإيمان قول وعمل. يعني في الأصل قولاً في القلب وعملاً في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته: وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره، فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالاً في القلب بحسب المصدَّق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمتي ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا فالكفر أعم من التكذيب فيكون تكذيبًا وجهلاً ويكون استكبارًا وظلمًا ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالاً وهو الجهل ألا تري أن نفرًا من اليهود جاءوا إلى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وسألوه عن أشياء فأخبرهم فقالوا نشهد أنك نبيٌّ ولم يتبعوه وكذلك هرقل وغيره فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق ألا تري أن من صدق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا أنه يحتاج إلى مقام ثان وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله فإذا قال أشهد «أن لا إله إلا الله» فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره وأشهد أن محمدًا رسول الله تتضمن تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار فلما كان التصديق لابد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي تلقى الرسالة بالقبول ـ ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لابد منه وهو الانقياد وإلاَّ فقد يصدق الرسول ظاهرًا وباطنًا ثمَّ يمتنع عن الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه وتعالى كإبليس». أهـ.
(1) الصارم المسلول: ص 458.