ويقول في موضع آخر من الكتاب(1): «ومن العجب قول بعض من ينتسب إلى علم ودين أن طلبهم من المقبورين والغائبين ليس دعاءً لهم بل هو نداء!! أفلا يستحي هذا القائل من الله إذا لم يستح من الناس من هذه الدعوى الفاسدة السمجة التي يروج بها على رعاع الناس والله سبحانه قد سمى الدعاء نداء في قوله تعالى: ﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾ (2)، وقوله: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ (3) وأي فرق بين ما إذا سأل العبد ربَّه حاجة وبين ما إذا طلبها من غيره ميت أو غائب، بأن الأول يسمى دعاءً، والثاني نداءً. وما أسمج هذا القول وأقبحه وهو قول يستحى من حكايته لولا أنه يروج على الجهال، لاسيما إذا سمعوه ممن يعتقدون علمه ودينه. وأي فرق بين سؤال الميت حاجة وبين سؤالها من صنم ونحوه بأن الثاني يسمى دعاءً والأول نداءً؟!! فإن قال: الكل يسمى نداءً لا دعاء فهذا مشاقة للقرآن ومحادة لله ورسوله. وما أظن عاقلاً يحيك هذا في نفسه، وإنما هو عناد ومكابرة إنما تروج على أشباه البهائم، أما يخاف هذا أن يتناوله قوله تعالى: ﴿ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ ﴾ (4). والله سبحانه سمَّى سؤال غيره دعاء في غير موضع من كتابه: ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾ (5). والدعاء في القرآن يتناول دعاء العبادة ودعاء المسألة». أهـ.
(1) المصدر السابق، ص18.
(2) مريم، آية: 3.
(3) الأنبياء، آية: 87.
(4) غافر، آية: 5.
(5) فاطر، آية: 14.