هؤلاء جميعهم لم يقصدوا أن يكفروا بما فعلوا وبما أشركوا ولكنهم كفروا بما فعلوا وبما أشركوا.
ويقول صاحب ”الانتصار“ (1): «فالدِّين كله داخل في العبادة فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله وأنه المعبود وعرف حقيقة العبادة تبين له أنه من جعل شيئًا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلهًا وإن فرَّ من تسميته معبودًا أو إلهًا وسمى ذلك توسلاً وتشفعًا والتجاءًا أو نحو ذلك.
فالمشرك مشرك شاء أم أبي كما أن المرابي مرابي شاء أم أبى وإن لم يسم ما فعله ربًا وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها وفي الحديث عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «يأتي أناس من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ...» الحديث.
فتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمي ولا يزيل حكمه كتسمية البوادي سوالفهم الباطلة حقًا وتسمية الظلمة ما يأخذونه من الناس بغير اسمه، ولما سمع عدي بن حاتم ـ وهو نصراني ـ قول الله تعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّه ﴾ (2) قال للنبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: لسنا نعبده!! فقال: «أليس يحرمون ما أحلَّ الله فتحرمونه ويحلون ما حرَّم الله فتحلونه. قال: قلت: بلي. قال: فتلك عبادتهم» فعدي - رضي الله عنه - ما كان يحسب أن موافقتهم فيما ذكر عبادة منهم فأخبر- صلى الله عليه وسلم - أن ذلك عبادة منهم لهم مع أنهم لا يعتقدونه عبادة لهم وكذلك ما يفعله عُبَّاد القبور من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالذبائح والنذور عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة لهم». أهـ.
(1) الانتصار، ص 7-8.
(2) التوبة، آية: 31.