ويقول في موضع آخر(1): وقد بالغ الشيخ أبو هاشم وأصحابه وغيرهم فقالوا: هذه الآية تدل على أن من لم يعتقد الكفر ونطق بصريح الكفر وبسب الرسل أجمعين وبالبراءة منهم وبتكذيبهم من غير إكراه وهو يعلم أن ذلك كفر أنه لا يكفر وهو ظاهر اختيار الزمخشري في كشافه فإنه فسَّر شرح الصدر بطيب النفس بالكفر وباعتقاده معًا وهذا كله ممنوع لأمرين ”أحدهما“ معارضة قولهم بقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ﴾ (2). فنصَّ بكفر من قال ذلك بغير شرط فخرج المكره بالنص والإجماع وبقي غيره، فلو قال مكلف مختار غير مكره بمقالة النصاري التي نصَّ القرآن على أنها كفر ولم يعتقد صحة ما قال لم يُكَفِّرُوه مع أنه لعلمه بقبح قوله يجب أن يكون أعظم إثمًا من بعض الوجوه لقوله تعالى: ﴿ وهم يعلمون ﴾ فعكسوا وجعلوا الجاهل بذنبه كافرًا والعالم الجاحد بلسانه مع علمه مسلمًا. ”الأمر الثاني“ أن حجتهم دائرة بين دلالتين ظنيتين قد اختلف فيهما في الفروع الظنية:
إحداهما: قياس العامد على المكره والقطع على أن الإكراه وصف ملغي مثل كون القائل بالثلاثة نصرانيًا وهذا نازل جدًا ومثله لا يقبل في الفروع الظنية.
(1) المصدر السابق، ص 437.
(2) المائدة، آية: 73.