أقول: وأول ما يتبادر للذهن من معنى العبادة(1) هو ما يتقرب به الإنسان إلى الله على نحو غيبي غير معقول المعني وأشد الناس تخلفًا في مستواه الثقافي والحضاري وأشد الناس بعدًا عن الدين وأجهلهم به يدرك الفرق بين قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ ﴾ (2) وبين قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ - فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ ﴾ (3) يدرك الفرق بين القربان للإله والذبيحة للضيف الأول تعبدي معنوي غيبي غير معقول المعنى أي لا يجرى على منطق الأسباب والمسببات الظاهرة، ولا يرجع إلى حقوق العباد التي يتعاطونها فيما بينهم على سنن الفضل أو العدل، والآخر مادي حسي معقول المعنى يرجع إلى منطق الأسباب والمسببات الظاهرة ويرجع إلى حق الضيف وهو من مكارم الأخلاق كالإحسان إلى الوالدين والإحسان إلى الجار والبرِّ بالضيف والمسكين واليتيم وفك العاني فهي حقوق العباد فيما بينهم على سنن الفضل وهذا أيضًا يفترق عن البيع والشراء والإجارة والوصية والزواج والعمل وهي معاوضات تجري على سنن العدل، وكذلك الفرق بين الاستعانة والاستغاثة والاستعاذة بالخالق والمعبود تفترق في العلم الضروري عن الاستعانة والاستغاثة بالمخلوق الأولي غيبية معنوية غير معقولة المعني والثانية مادية حسية معقولة المعني يحكمها منطق الأسباب والمسببات الظاهرة وترجع إما إلى تبادل المصالح بين العباد أو إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم يتفضل به بعضهم على بعض، فالأولى حق الله والثانية حق العبد على العبد فضلاً أو عدلاً. وكذلك الفرق بين الصوم والصلاة والحج والدعاء والنذر وتقديم القربان، وبين البيع والشراء وسائر أنواع
(1) التقرب والاستعانة بالله سبحانه ـ أو بغيره شركًا ـ على وجه غيبي غير معقول المعنى.
(2) المائدة، آية: 27.
(3) الذاريات، الآيتان: 26-27.