وبقيت للجهمية شبهة وهي قولهم وجد الإيمان في القلب قبل أن يتكلم به أو يعمل بمقتضاه فهو مؤمن بما في قلبه قبل أن يتكلم بالإيمان أو يعمل به فهو مؤمن لما وجد في قلبه أولاً بمعنى أن الإيمان يوجد منه شيء قبل شيء فما وجد أولاً اكتسب منه صاحبه وصف الإيمان لاحتمال أن يموت قبل أن يترتب عليه مقتضياته فلو مات لحظته وُجِدَ الإيمان في قلبه بحيث لا يتمكن من العمل بمقتضياته حسب الترتيب الزمني وهذه شبهة زائفة لأن الإيمان متي وجد في قلبه أو تكلم به قبل أن يمضي فيه عزيمة لم يكن مؤمنًا ومن تكلم بالكفر ولم يمض به عزيمة كان كافرًا فإذا أمضى بالإيمان عزيمة فهذه لحظة إيمانه ليس قبل ذلك. فإن مات لحظتها ولم يفعل شيئًا فقد فعل ترك الشرك وقد همَّ بما حال الموت بينه وبينه، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فقد أتى بما همَّ به من الإقرار والدخول في التوحيد، ومثال ذلك الجنين في بطن أمه لا يسمى إنسانًا ولا ينفخ فيه الروح حتى يكتمل خلقه ﴿ ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ﴾ (1) بعد أن كان نطفة، فعلقة، فمضغة... إلخ. وهو يولد إنسان، لا يسمى الذراع إنسان ولا اليد إنسان، إنما الإنسان إنسان بما فيه من حياة ومن روح وبدن يصح أن يسمى بهما إنسان وإلا كان مسخاً ولهذا قال شيخ الإسلام وغيره إن علم القلب لا ينفع صاحبه حتى يقترن به عمل القلب وإقرار اللسان لا ينفع صاحبه حتى يقترن به الانقياد للشرع وقد مرَّ ذلك.
ستة مسالك لمعرفة التوحيد:
المسلك الأول: مسلك العلم الضروري: ويعرف من دعوة الرسل:
دعوة الرسل:
(1) المؤمنون، آية: 14.