التصديق والعلم من قلبه فالكفر عندهم شيء واحد وهو الجهل والإيمان شيء واحد وهو العلم أو تكذيب القلب وتصديقه فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو؟ وهذا القول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام والمرجئة وقد كفَّر السلف كوكيع بن الجراح وأحمد ابن حنبل وأبي عبيد وغيرهم من يقول بهذا القول وقالوا إبليس كافر بنص القرآن وإنما كُفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم لا لكونه كذَّب خبرًا وكذلك فرعون وقومه قال الله فيهم: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ (1)، وقال موسى لفرعون: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاَء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لاَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ (2). فموسى وهو الصادق المصدوق يقول: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاَء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ ﴾ . فدلَّ على أن فرعون كان عالمًا بأن الله أنزلَ الآيات وهو من أكبر خلق الله عنادًا وبغيًا لفساد إرادته وقصده لا لعدم علمه، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (3)، وقال تعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ (4)، وكذلك اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ (5). وكذلك المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ (6)».
(1) النمل، آية: 14.
(2) الإسراء، آية: 102.
(3) القصص، آية: 4.
(4) النمل، آية: 14.
(5) البقرة، آية: 146.
(6) الأنعام، آية: 33.