فلابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ (1). فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبًا لله من المشركين لأندادهم. وفي الآية قولان: قيل يحبونهم كحب المؤمنين لله والذين آمنوا أشد حبًا لله منهم لأندادهم، وقيل يحبونهم كما يحبون الله والذين آمنوا أشد حبًا لله منهم لله وهذا هو الصواب، والأول قول متناقض وهو باطل فإن المشركين لا يحبون الأنداد مثل محبة المؤمنين لله وتستلزم المحبة الإرادة والإرادة التامة مع القدرة التامة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا لله ورسوله مريدًا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه. ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه ولم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسبّ الله ورسوله ويعادي الله ورسوله ويعادي أولياء الله ويوالي أعداء الله ويقتل الأنبياء ويهدم المساجد ويهين المصحف ويكرم الكفار غاية الكرامة ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا وهذه كلها معاصي لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن. وقالوا إنما تثبت له في الدنيا أحكام الكفار لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر فيحكم بالظاهر، كما يحكم بالإقرار والشهود وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود. فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة قالوا: فهذا دليل على انتفاء
(1) البقرة، آية: 165.