قال في قرة العيون(1): إن هذه الآية دلت على أن أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله كائنًا من كان فمن صرف منها شيئًا لغير الله فقد وقع فيما نفاه الله تعالى من الشرك بقوله سبحانه: ﴿ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (2) والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد في العبادة وبيانه ونفي الشرك والبراءة منه(3). عن طارق بن شهاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب قالوا وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال مرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتي يقرب له شيئًا فقالوا لأحدهما قرِّب قال ليس عندي شيء أقرب قالوا قرِّب ولو ذبابًا فقرب ذبابًا فخلوا سبيله فدخل النار وقالوا للآخر قرِّب فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله عزَّ وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة» رواه أحمد.
وفي هذا الحديث التحذير من الوقوع في الشرك وأن الإنسان قد يقع فيه وهو لا يدري أنه من الشرك الذي يوجب النار. وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ابتداءً وإنما فعله تخلصًا من شر أهل الصنم. وفيه أن هذا الرجل كان مسلمًا قبل ذلك وإلا فلو لم يكن مسلمًا لم يقل دخل النار في ذباب. وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان.
قال في قرة العيون(4): ... لأنه قصد غير الله بقلبه أو انقاد بعمله فوجبت له النار ففيه معنى حديث «من لقى الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار».
(1) قرة عيون الموحدين، ص 77.
(2) يوسف، آية: 108.
(3) فتح المجيد، ص 161.
(4) قرة عيون الموحدين، ص 80.