قال في قرة العيون(1): «أي أولئك الذين يدعوهم أهل الشرك ممن لا يملك كشف الضر ولا تحويله من الملائكة والأنبياء والصالحين كالمسيح وأمه والعزير فهؤلاء دينهم التوحيد بخلاف من دعاهم من دون الله ووصفهم بقوله: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ﴾ . فيطلبون القرب من الله بالإخلاص له وطاعته فيما أمر وترك ما نهاهم عنه، وأعظم القُرَب (من الله) التوحيد الذي بعث الله به أنبياءه ورسله وأوجب عليهم العمل به والدعوة إليه وهذا الذي يقربهم إلى الله أي إلى عفوه ورضاه ووصف ذلك بقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ فلا يرجون أحدًا سواه ولا يخافون غيره وذلك هو توحيده لأن ذلك يمنعهم من الشرك ويوجب لهم الطمع في رحمة الله والهرب من عقابه. والداعي لهم والحالة هذه قد عكس الأمر وطلب منهم ما كانوا ينكرون من الشرك بالله في دعائهم لمن كانوا يدعونه من دون الله ففيه معنى قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ (2) وفيه الرد على من ادعي أن شرك المشركين إنما هو بعبادة الأصنام. وتبين هذه الآية أن الله تعالى أنكر على من دعا معه غيره من الأنبياء والصالحين والملائكة ومن دونهم وأن دعاء الأموات والغائبين لجلب نفع أو دفع ضر هو من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله وأن ذلك ينافي ما دلت عليه حكمة الإخلاص.
(1) قرة عيون الموحدين، طبعة دار الصحابة للتراث، ص 49.
(2) فاطر، آية: 14.