قال في ”قرة العيون“: وقد تضمنت هذه الكلمة العظيمة نفيًا وإثباتًا فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله بقولك ”لا إله“ وأثبت الإلهية لله وحده بقولك ”إلا الله“ قال تعالى: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (1) فكم ضلَّ بسبب الجهل لمعناها مَنْ ضلَّ وهم الأكثرون فقلبوا حقيقة المعني وأثبتوا الإلهية المنفية لمن نفيت عنه من المخلوقين أرباب القبور والمشاهد والطواغيت والأشجار والأحجار والجنِّ وغير ذلك واتخذوا ذلك دينًا وشبهوا وزخرفوا واتخذوا التوحيد بدعة وأنكروا على من دعاهم إليه فلم يعرفوا منها ما عرف أهل الجاهلية من كفار قريش ونحوهم فإنهم عرفوا معناها وأنكروا ما دلت عليه من الإخلاص كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُون - وَيقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ﴾ (2) والمشركون من أواخر هذه الأمة أنكروا ما أنكره أولئك على من دعاهم إلى ترك عبادة ما كانوا يعبدونه من دون الله من الموتى والقبور والمشاهد والطواغيت ونحوها فأولئك عرفوا المعني وأنكروه وهؤلاء جهلوا المعني وأنكروه ولذلك تجده يقول ”لا إله إلا الله“ ويدعو مع الله غيره. قاله الوزير أبو المظفر في ”الإفصاح“: قوله شهادة ”أن لا إله إلا الله“ يقتضي أن يكون الشاهد عالمًا بأنه لا إله إلا الله كما قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ﴾ (3).
وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت والإيمان بالله فإنك لما نفيت الإلهية وأثبت الإيجاب لله سبحانه كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله.
(1) آل عمران، آية: 18.
(2) الصافات، الآيتان: 35-36 .
(3) محمد، آية: 19.