تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(ح) التوبة تجب ما قبلها ولا تحتاج إلي مساندة من غيرها لرفع المؤاخذة، فالمؤاخذة ترتفع لمجرد التوبة الصادقة الجازمة النصوح التي تلم شعث صاحبها، فإذا أشكل عليك قوله تعالى على لسان السحرة في قصة موسى - عليه السلام - في سورة الشعراء ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوْلَ المؤْمِنِينَ ﴾ (1) فاعلم أن المسلم إذا أسلم وحسن إسلامه أي أسلم إسلامًا حقيقيًا وآمن بعد كفره فهذا يرفع عنه وزر الشرك والكفر، فإذا كانت توبته من الكفر والشرك في موقف إشهاد عظيم مثل السحرة وبهذا القدر من الصدق والإخلاص، فإن الله يوفقهم للعمل الصالح بعد إسلامهم أو يتقبلهم شهداء. وبهذا إذا كان لهم عمل بعد إسلامهم لاستمرار حياتهم فإن الله سبحانه وتعالى يكفر عنهم أسوأ ما عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون. ومغفرة الخطايا هنا معناها بالتحديد ألا يكلهم إلي أنفسهم بعد إسلامهم فيسيئوا فيأخذهم بالأول والآخر ـ قبل الإسلام وبعده ـ فيما دون الشرك الذي تابوا منه، وأن يوفقهم إلي الطاعة التي يتقبلهم بها في الصالحين في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون. وعدم المغفرة معناه عدم التوفيق للطاعة التي ينالهم بها هذا الخير، وهذا مثل قول سيدنا عيسى ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ (2)، وقول إبراهيم - عليه السلام -: ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (3) عصاني ـ بعبادة الأصنام ـ فمعنى مغفرة الله له أن يوفقه إلي التوبة ليموت على الإسلام، ومعنى عذابه لهم أن يحرمهم من التوبة فيموتوا على الكفر. فمعنى دعاء السحرة ألا يحرمهم بسبب خطاياهم من التوفيق للعمل

(1) الشعراء، آية: 51.

(2) المائدة، آية: 118.

(3) إبراهيم، آية: 31.

البلاغ المبين · الصفحة ١٨٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ١٨٣٦