ويقول ابن كثير(1) في هذا الموضع: في معنى قوله: ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ (2) قولان أحدهما: أنهم بُدِّلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات، قال علىٌّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن السيئات فحولهم إلي الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات. وقال سعيد بن جبير أبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات. وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر إسلامًا وهذا قول أبي العالية وقتادة وجماعة آخرون.
الوضع الثاني: أن توبتهم فتحت لهم أبواب العمل الصالح فرفعت درجتهم عما كانوا عليه قبل وقوع المعصية أضعافًا مضاعفة. روى الطبراني من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي فروة أنه أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة فهل له من توبة؟ فقال «أسلمت؟» قال: نعم. قال: «فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها اللهُ لك خيرات كلها» قال: وغدراتي وفجراتي ؟ قال: «نعم». فليس فعل الخيرات من شرط التوبة حتى تقبل ولكنه نتيجة لها لما أحدثته في النفس من تغيير، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وشيخ الإسلام ابن القيم، وكما قيل ربَّ معصية أورثت ذلاً وانكسارًا خيرًا من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا. ولذلك فإنه بهذه التوبة يعود خيرًا مما كان أضعافًا كثيرة واللهُ أعلم.
(1) تفسير ابن كثير، ج3، ص 327.
(2) الفرقان، آية: 70.