ولهذا قال ابن القيم(1) رحمه الله أن مقام التائبين مع الله عزَّ وجلّ واحد من ثلاثة مقامات: إما أن يعود التائب إلي أنقص مما كان عليه فهذا لا له ولا عليه، وإما أن يعود إلي ماكان عليه فهذا يرفع الله درجته، وإما أن يعود إلي خير مما كان عليه أضعافًا مضاعفة فهذا يبدل الله سيئاته حسنات.
ويذكر ما تحدثه التوبة من الخير للتائب فيقول: «إنَّ اللهَ سبحانه يرفع عبده بالتوبة وإذا ابتلاه مما يتوب منه فالمقصود كمال النهاية لا نقص البداية، فإنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، وهو مبدِّل بالتوبة السيئات حسنات، والذنب مع التوبة يوجب لصاحبه من العبودية والخشوع والتواضع والدعاء وغير ذلك ما لم يكن يحصل قبل ذلك، ولهذا قال طائفة من السلف أن العبد ليفعل الذنب فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة فيدخل بها النار. يفعل الذنب فلا يزال نصب عينيه إذا ذكره تاب إلي الله ودعاه وخشع له فيدخل به الجنة، ويفعل الحسنة فيعجب بها فيدخل النار. وفي الأثر لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من الذنب وهو العُجْبْ. وفي أثر آخر لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إلي الله لما ابتلي بالذنب أكرم الخلق عليه». أهـ.
ويذكر ابن كثير(2) في تفسيره في سورة الزمر أحاديث منها نفي القنوط قريبًا من هذا. ومنه حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أنكم تذنبون لخلق اللهُ - عز وجل - قومًا يذنبون فيغفر لهم» رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم والترمذي جميعًا عن قتيبة عن الليث بن سعد. ومن رواية الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة الذنب الندامة» وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم».
(1) طريق الهجرتين، ص 220-223 بتصرف.
(2) تفسير ابن كثير، ج4، ص 59.