فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ماقبلها من الخطيئات كما ثبت في الصحيح: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله والتوبة تجب ما قبلها» وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلي الممات ـ كما تقدم في الحديث وفي الأثر ـ ثم لا يعود فيه أبدًا أو يكفي العزم على أن لايعود في تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لايكون ذلك ضارًا في تكفير ما تقدم لعموم قوله- صلى الله عليه وسلم -: «التوبة تَجُب ما قبلها» وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضًا «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوي من التوبة فالتوبة بطريق الأولي والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿ عَسَى رَبُّكُم أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُم سَيِّئَاتِكُم وَيُدْخِلَكُم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ وعسي من الله موجبة ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ أي ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة ﴿ َيقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (1) حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ وتميز أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لمن مات منهم لا يشرك بالله شيئًا خالصًا من النفاق والريبة، فإنهم غر محجلون كتبهم بأيمانهم، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴿ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ اللهم أمتني منهم ومعهم وأدخلنا الجنة برحمتك وعفوك.
تحقيق علمي شرعي لما يستحق به الإنسان العفو والمغفرة هل يترتب على التوبة منفردة أم ينضاف إليها شروط أخرى وما هو معنى الصياغات المختلفة في ذلك في النصوص من الكتاب والسنة وما هى مراتب التوبة ومعنى التوبة وما يلزم لتحقيقها.
(1) التحريم، آية: 8.