يقول ابن كثير(1): فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها: أن يجلد ثمانين جلدة. الثاني: أن ترد شهادته أبدًا. الثالث: أن يكون فاسقًا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس. ثم قال تعالى: ﴿ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾ الآية. واختلف العلماء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط ويبقي مردود الشهادة دائمًا وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة، وأما الجلد فقد ذهب وانقضي ـ سواء تاب أم أصرّ ـ ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف. فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته وارتفع عنه حكم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين وجماعة من السلف. وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط فيرتفع الفسق بالتوبة ويبقي مردود الشهادة أبدًا، وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر. وقال الشعبي والضحاك لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان فحينئذ تقبل شهادته واللهُ أعلم. أهـ.
أقول: ومعنى الكلام أنه إذا لم يتب لا يرتفع وصف الفسق ويبقي مردود الشهادة ويبقي مصرًا على البهتان غير كافر بالإصرار ولا يقام عليه حد الردة بذلك ولم يوقت الشرع له زمنًا يكون بعده مصرًّا إن لم يتب ويقتل بالإصرار ردة. والتوبة تكون عند بعض العلماء بغير ذكر تبرئة المقذوف صراحة وبرمي نفسه بالبهتان، بل بمجرد أن يقول قد تبت من القذف أرتفع عنه وصف الفسق، فإن رمي نفسه بالبهتان وبرأ المقذوف صراحة فعند هؤلاء تقبل شهادته، ويبقي عند هؤلاء قبل أن يفعل ذلك مسلمًا مصرًا غير تائب وغير كافر أو مرتد بإصراره يقام عليه حد الردة.
(1) تفسير ابن كثير، ج3، ص 264.