تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول ابن جرير(1): وأولي هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال توبة المحارب الممتنع بنفسه أو بجماعة معه قبل القدرة عليه تضع عنه تبعات الدنيا التي كانت لزمته في أيام حربه وحرابته من حدود الله وغرم لازم وقود وقصاص إلا ما كان قائمًا في يده من أموال المسلمين والمعاهدين بعينه فيرد على أهله لإجماع الجميع على أن ذلك حكم الجماعة الممتنعة المحاربة لله ولرسوله الساعية في الأرض فسادًا على وجه الردة عن الإسلام، فكذلك حكم كل ممتنع سعي في الأرض فسادًا جماعة كانوا أو واحدًا فأما المستخفي بسرقته والمتلصص على وجه إغفال من سرقة والشاهر السلاح في خلاء على بعض السابلة وهو عند الطلب غير قادر على الامتناع، فإن حكم الله عليه تاب أو لم يتب ماض، وبحقوق من أخذ ماله وأصاب وليه بدم أو ختل مأخوذ وتوبته فيما بينه وبين الله جل وعز قياسًا على إجماع الجميع على أنه لو أصاب شيئًا من ذلك وهو للمسلمين سلم ثم صار لهم حربًا أنه حربه إياهم لن يضع عنه حقًا لله عزَّ ذكره ولا لآدمي فكذلك حكمه إذا أصاب ذلك في خلاء أو باستخفاء وهو غير ممتنع من السلطان بنفسه إن أراده ولا له فئة يلجأ إليها مانعة منه. ثم يقول: وفي قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ دليلٌ واضح لمن وفق لفهمه أن الحكم الذي ذكره الله في المحاربين يجري في المسلمين والمعاهدين دون المشركين الذين قد نصبوا للمسلمين حربًا، وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهل الحرب من المشركين دون المسلمين ودون ذمتهم لوجب أن لا يُسقط إسلامهم عنهم إذا أسلموا أو تابوا بعدما قدر عليهم ما كان لهم قبل إسلامهم وتوبتهم من القتل وما للمسلمين من أهل الحرب من المشركين وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشرك الحربي يضع عنه بعد قدرة المسلمين عليه ما كان واضعه عنه إسلامه قبل المقدرة عليه ما يدل على أن الصحيح

(1) تفسير الطبري، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ج10، ص 189.

البلاغ المبين · الصفحة ١٧٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ١٧٧٨