ويقول في معنى النفي: ذكر من الروايات مثلما ذكر ابن كثير على الأوجه كلها ورجَّح كما قال ابن كثير عنه أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه. يقول هو عن سبب ترجيحه لهذا الوجه(1): وإنما قلت ذلك أولي الأقوال بالصحة لأن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرت؛ وإذ كان ذلك كذلك وكان معلومًا أن اللهَ جلَّ ثناؤه إنما جعل جزاء المحارب القتل أو الصلب أو قطع اليد والرجل من خلاف بعد القدرة عليه لا في حال امتناعه، كان معلومًا أن النفي أيضًا إنما هو جزاؤه بعد القدرة عليه لا قبلها، ولو كان هربه من الطلب نفيًا له من الأرض كان قطع يده ورجله من خلاف في حال امتناعه وحربه على وجه القتال بمعنى إقامة الحد عليه بعد القدرة عليه، وفي إجماع الجميع على أن القطع في حال الامتناع لا يكون بمعنى إقامة الحد وذلك دليل على أن الطلب في حالة الامتناع لا يقوم مقام نفيه الذي جعله الله عزَّ وجلّ حدًا له بعد القدرة عليه. ويقول في قوله: ﴿ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فلم يتوبوا من فعلهم هذا حتى هلكوا. ويقول في تأويل قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ بعد أن يذكر قول من قال أنها في المشركين يقول(2): وقال آخرون بل هذه الآية معنيٌّ بها أهل الإسلام من قطع منهم الطريق وهو مقيم على إسلامه ثم استأمن فأومن على جناياته التي جناها وهو للمسلمين حرب، ومن فعل ذلك منهم مرتدًا عن الإسلام فلحق بدار الحرب ثم استأمن فأومن، قالوا: فإذا أمَّنه الإمام على جناياته التي سلفت لم يكن قِبَله لأحد تَبِعَة في دم ولا مال أصابه قبل توبته وقبل أمان الإمام إياه، ثم ذكر نص حارثة بن بدر وأمان عليّ كرم الله وجهه له.
(1) تفسير الطبري، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ج10، ص 274.
(2) تفسير الطبري، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، ج10، ص 279.