يقول الإمام الشاطبي(1) بعد ذكر نصوص التبرك بالنبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا في حق من ثبتت ولايته واتباعه لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يتبرك بفضل وضوئه ويتدلك بنخامته ويستشفي بآثاره كلها ويُرجي نحو مما كان في آثار المتبوع - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله وهو أن الصحابة - رضي الله عنهم - بعد موته - عليه السلام - لم يقع من أحدٍ منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعده في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك ولا عمر رضى الله عنهما وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان ثم عليّ ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها بل اقتصروا فيهم على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيها النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء. وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يعتقدوا فيه الاختصاص وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير، لأنه - عليه السلام - كان نورًا كله في ظاهره وباطنه فمن التمس فيه نورًا وجده على أي جهة التمسه. بخلاف غيره من الأمة ـ وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله ـ لا يبلغ مبلغه على حال توازيه في مرتبته، ولا تقاربه، فصار هذا النوع مختصًا به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم على الزوجات وشبه ذلك. فعلي هذا المَأْخذ لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة،
(1) الاعتصام، ج2، ص 8-11.