ومن كلام أبي بطين رحمه الله (1): «فتبيَّن أن موالاة الله بعبادته والبراءة من كل معبود سواه هو معنى لا إله إلا الله، إذا تبيَّن ذلك فمن صرف لغير الله شيئًا من أنواع العبادة المتقدم تعريفها كالحب والتعظيم والخوف والرجاء والدعاء والتوكل والذبح والنذر وغير ذلك فقد عبد ذلك الغير واتخذه إلهًا وأشركه مع الله في خالص حقه، وإن فرَّ من تسمية فعله ذلك تألهًا وعبادة وشركًا. ومعلوم عند كل عاقل أن حقائق الأشياء لا تتغير بتغير أسمائها، فلو سمي الزنا والربا والخمر بغير أسمائها لم يخرجها تغيير الاسم عن كونها زنا وربا وخمر ونحو ذلك، ومن المعلوم أن الشرك إنما حرم لقبحه في نفسه وكونه متضمنًا مسبَّة الربّ وتنقيصه وتشبيهه بالمخلوقين، فلا تزول هذه المفاسد بتغيير اسمه كتسميته توسلاً وتشفعًا وتعظيمًا للصالحين وتوقيرًا لهم ونحو ذلك. فالمشرك مشرك شاء أم أبي كما أن الزاني زان شاء أم أبي والمرابي مراب شاء أم أبي. وقد أخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن طائفة من أمته يستحلون الربا باسم البيع ويستحلون الخمر باسم آخر غير اسمها وذمَّهم على ذلك، فلو كان الحكم دائرًا مع الاسم لا مع الحقيقة لم يستحقوا الذَّم. وهذه من أعظم مكائد الشيطان لبني آدم قديمًا وحديثًا أخرج لهم الشرك في قالب تعظيم الصالحين وتوقيرهم وغير اسمه بتسميته إياه توسلاً وتشفعًا ونحو ذلك واللهُ الهادي إلى سواء السبيل». أهـ.
(1) الدرر السنية، ج2، ص 299.