وعلى النقيض تمامًا يأتي موقف الإفراط والغلو بالقول بأن كل هذه المعاني المفهومة من اللغة والعرف للولاء: ولاء شرعي تتنزل عليه أحكام الكفر المخرج من الملة التي جاءت في القرآن لولاية الكافرين، فيتم أيضًا تنزيل أحكام الشرع على غير مناطاتها، فيُكَفّرون بذلك من لا يستحق التكفير ظلمًا وجهلاً وغلوًا، لأنهم صرفوا الأحكام دون أن يؤولوها إلى أوسع من مناطاتها الشرعية، وعدلوا عن الحقائق الشرعية إلى الحقائق العرفية واللغوية مع وجود الشرعية. وأهل التفريط أدخلوا الحقائق اللغوية مع الشرعية، ثم أوَّلوا الأحكام للجميع وقيَّدوا الحكم بالباعث، فأخرجوا المناط عن أن يكون مناطًا بعدم تأثيره في الحكم وجودًا وعدمًا. والحق أن الأحكام التي جاءت في القرآن لولاء الكافرين غير مؤولة، ولكنها لا تتنزل إلا على مناطاتها الشرعية التي ذكرها القرآن، وبعضها قد ذكرته السنة ومن ثم لايتسع نطاق التكفير إلى مناطات لا يكفر مرتكبها فيكفر المسلمون بغير موجب، وتقييد الحكم بالباعث دون المناط يخرج المناط عن أن يكون مناطًا. فإذا قلنا أن من تولي الكافرين لا يكفر إلا بالاستحلال أو الجحود أو تغيير الاعتقاد إلى النصرانية أو اليهودية أو إلى شك أو تكذيب، فلا فرق في ذلك بين ولاية الكافرين وبين الغيبة والنميمة، فإن مرتكب الغيبة والنميمة لا يكفر إلا بالاستحلال أو الجحود أو تغير الاعتقاد على أي نحو كان عليه هذا التغير، فلماذا عدَّ الشارع ولاية الكافرين كفرًا مع أنها لا تكون كفرًا إلا بهذا القيد ولم يعد النميمة والغيبة كفرًا، وعدَّها معصية غير مخرجة من الملة. وإذا كان متولي الكافرين لا يكفر إلا بتغير الاعتقاد، فإذا تولي الكافرين ولم يتغير اعتقاده لا يكفر، وإذا تغير اعتقاده ولم يتول الكافرين يكفر، إذن لا تأثير لولاية الكافرين في حكم الكفر المخرج من الملة وجودًا وعدمًا، وقد جعله الشرع مناطًا فيكون مؤثرًا، فكيف يجعله الشرع مناطًا مؤثرًا
البلاغ المبين · الصفحة ١٥٢٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ١٥٢٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي