تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرابع: أن متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لأنه من بابِ مضادة الشارع وإطراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع، وأيضًا فلو فرض أنه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذمِّ لم يتصور، لأن البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك، وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها إذ لو قال الشارع المحدثة الفلانية حسنة لصارت مشروعة كما أشاروا إليه في الاستحسان، ولمَّا ثبت ذمها ثبت ذمّ صاحبها لأنها ليست بمذمومة من حيث تصورها فقط بل من حيث اتصف بها المتصف، فهو إذًا المذموم على الحقيقة، والذمّ خاصته التأثيم فالمبتدع مذموم آثم وذلك على الإطلاق والعموم.

أقول: نفس القاعدة تنطبق لأن أي علاقة غير مذمومة بين المؤمن والكافر لا يسميها الشارع ولاء للكافرين، وإنما يسميها برٌ وقسط، فعدل عن اسم ولاية الكافرين فيما فيه إباحة وقصره على ما هو محرم، وهذا دليل على أن هذا اللفظ ”ولاء الكافرين“ قد تمحض للذمِّ فمناطه قد تمحض للتحريم وليس فيه ما يباح، وتعريف صوره أو مناطاته إنما يكون بالحقيقة الشرعية دون اللغوية أو العرفية.

ومن هنا ينكشف لنا خبث المحاولة بإدخال معان مشروعة من البر والقسط للكافرين تحت اسم ولاء الكافرين، ثم يقال هذه قد عُلِمَ من الدين بالضرورة كونها مباحة بل ومشروعة وغير مكفرة وهى ولاء كافرين، ومن ثم فكل ولاء للكافرين غير مكفِّر إلا ما كان الباعث عليه تغير الاعتقاد وبذلك يتم تحريف الكلم عن مواضعه بصرف الأحكام عن مناطاتها الحقيقية إلى مناطات أخرى لا علاقة لها بها.

البلاغ المبين · الصفحة ١٥٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ١٥٢٤