ويرد الإمام الشاطبي على مَنْ قال بتقسيم البدع إلى أحكام التكاليف الخمسة(1) «والجواب أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخير فيها فالجمع بين تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمعًا بين متنافيين أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعًا لا من جهة أخرى إذ لو دلَّ دليل على منع أمر أو كراهته لإمكان أن يكون معصية كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها فلا بدعة يتصور فيها التقسيم البتة إلا الكراهية والتحريم حسبما يذكر في بابه. فما ذكره القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح وما قسمه فيها غير صحيح ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمي المصالح المرسلة بدعًا بناءً والله أعلم على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هى الدالة على استحسانها بتسميته لها بلفظ البدع وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة، واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد. ولما بني على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة وسماها بدعًا في اللفظ كما سمى عمر رضى الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة». أهـ.
أقول: بالمفهوم اللغوي لها لا الشرعي كما قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس، لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفًا للإجماع».
(1) الاعتصام، ج1، ص 191-193.