الترجيح: مما تقدم تبين أن السلف قد ذهبوا في زواج الكتابيات من أهل الذمة إلى عدة آراء: منهم من رأي بالمنع مطلقًا، ومنهم الجواز مُطْلقًا، ومنهم الكراهة مطلقًا، ومنهم من قيد ذلك بالظروف والأحوال، كما ذهب إلى ذلك بعض الصحابة في أنهم إنما نكحوا الكتابيات في حالة الحرب مثلاً وهو الرأي الراجح في نظرنا. فيكره للمسلم أن يتزوج ذمية إن لم يغلب على ظنه أنها ستسلم مع تيسر زواج المسلمات خوفًا لحدوث الفتنة في الدين كتنصير الأولاد أو تهويدهم، ويؤيد ذلك ما يروى عن عمر- رضي الله عنه - قال للذين تزوجوا نساء أهل الكتاب «طلقوهن» فطلقوهنَّ إلا حذيفة فقال له عمر: طلقها. قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هى خمرة طلقها قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هى خمرة. قال: قد علمت أنها خمرة ولكنها لي حلال. فأبى أن يطلقها. فلما كان بعد طلقها فقيل له: ألا طلقتها حين أمرك عمر؟ قال: كرهت أن يظنَّ الناس أني ركبت أمرًا لا ينبغي. فظاهر هذا الأثر أن زوجات هؤلاء الصحابة لم يسلمن ولم يرج إسلامهن لذلك أمرهم عمر بطلاقهن لخطرهن عليهم وهم اعترفوا بذلك فطلقوهنَّ. وكذلك فإن اختلاف السلف فيما بينهم يدل على أن الإباحة خصت بحال دون حال(1).
ويقول عن زواج المسلم بكتابية من أهل دار الحرب. يقول: وأما الفقهاء الذين يبيحون زواج المسلم بكتابية ذمية فقد اختلفوا في حكم زواج المسلم بكتابية من أهل دار الحرب على رأيين:
الرأي الأول: يحرم على المسلم أن يتزوج بكتابية من أهل دار الحرب وهو رأي ابن عباس رضى الله عنهما.
(1) فتح الباري، ج9، ص 417.