ثان وهو تصديقه خبر الله وانقياده لأمر الله، فإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله فهذه الشهادة تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره، وأشهد أن محمدًا رسول الله تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار، فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين ـ وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول ـ ظنَّ مَنْ ظنَّ أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد وإلا فقد يصدق الرسول ظاهرًا وباطنًا ثم يمتنع من الانقياد للأمر إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه وتعالى كإبليس، وهذا مما يُبين لك أن الاستهزاء بالله أو برسوله ينافي الانقياد له، لأنه قد بلغ عن الله أنه أمر بطاعته فصار الانقياد له من تصديقه في خبره فمن لم ينقد لأمره فهو إما مكذبٌّ له أو ممتنع عن الانقياد لربِّه وكلاهما كفرٌ صريحٌ. ومن استخفَّ به واستهزأ بقلبه امتنع أن يكون منقادًا لأمره فإن الانقياد إجلال وإكرام، والاستخفاف إهانة وإذلال وهذان ضدان فمتى حصل في القلب أحدهما انتفى الآخر فعلم أن الاستخفاف والاستهانة به ينافي الإيمان منافاة الضد للضد». أهـ.
أقول: قد مرَّ أن أصل الإيمان الذي هو أول ما يجب على المكلف وبه تقبل وتصح الأعمال وهو: إذعان لحكم المخبر وقبوله حيث يقع عليه اسم التسليم. والإسلام هو الانقياد والخضوع ولا يتحقق ذلك إلا بقبول الأحكام والإذعان. فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا فهما يتحدان في التصديق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب ومفهوم الإسلام أعمال الجوارح. وما يتحد فيه المفهومان هو: إذعان لحكم المخبر وقبوله ظاهرًا وباطنًا.