وأما الجهمية الذين يقولون: هو مجرد المعرفة والتصديق بالقلب فقط وإن لم يتكلم بلسانه، فلهم مأخذ آخر وهو أنه قد يقول بلسانه ما ليس في قلبه فإذا كان في قلبه التعظيم والتوقير للرسول لم يقدح إظهار خلاف ذلك بلسانه في الباطن كما لا ينفع المنافق إظهار خلاف ما في قلبه في الباطن. إلى أن يقول: في جواب هذه الشبهة: الثاني: أن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق وإنما هو الإقرار والطمأنينة وذلك لأن التصديق إنما يعرض للخبر فقط فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر. وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر، والأمر يستوجب الانقياد له والاستسلام وهو عمل في القلب جماعه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل المأمور به فإذا قوبل الخبر بالتصديق والأمر بالانقياد فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو: الطمأنينة والإقرار، فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. إلى أن يقول: وهذا موضع زاغ فيه خلقٌ من الخلف، تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون ممن لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر، فيتحيرون ولو أنهم هدوا لما هدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قولٌ وعملٌ أعني في الأصل قولاً في القلب وعملاً في القلب. إلى أن يقول: فيصدق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالاً في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين فمتي ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدقًا. فالكفر أعمّ من التكذيب يكون تكذيبًا وجهلاً ويكون استكبارًا وظلمًا. إلى أن يقول: ألا تري أن من صدَّق الرسولَ بأن ما جاء به هو رسالة الله وقد تضمنت خبرًا وأمرًا فإنه يحتاج إلى مقام
البلاغ المبين · الصفحة ١٤٥٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ١٤٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي