من العرب ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنها براءة من الشرك».
ويقول شيخ الإسلام(1): «والإله هو المستحق للعبادة فأما من اعتقد في الله أنه ربّ كل شيء وخالقه وهو مع هذا يعبد غيره فإنه مشرك بربِّه متخذ من دونه إلهًا آخر، فليست الإلهية هى الخلق أو القدرة على الخلق أو القدم كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربّه، فلو كان هذا هو الإلهية لكانوا قائلين أنه لا إله إلا هو. فهذا موضع عظيم جدًا ينبغي معرفته لما قد لُبس على طوائف من الناس أصل الإسلام حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هى شرك ينافي الإسلام لا يحسبونها شركًا، وأدخلوا في التوحيد والإسلام أمورًا باطلة ظنُّوها من التوحيد وهى تنافيه، وأخرجوا من الإسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنُّوها من التوحيد وهى أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإرادة واعتقاد ذلك، بل التوحيد الذي لابد منه لا يكون إلا بتوحيد الإرادة والقصد وهو توحيد العبادة وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه وهذا هو الإسلام فإن الإسلام يتضمن أصلين: أحدهما الاستسلام لله. والثاني أن يكون ذلك له سالمًا فلا يشركه أحد في الإسلام له، وهذا هو الاستسلام لله دون ما سواه.
وسورة «قل يا أيها الكافرون» تفسر ذلك ولا ريب أن العمل والقصد مسبوق بالعلم، فلابد أن يعلم ويشهد أن لا إله إلا الله. وأما التوحيد القولي الذي هو الخبر عن الله ففي سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن وفيها اسمه الأحد الصمد وكل من هذين الاسمين يدل على نقيض مذهب هؤلاء الجهمية». أهـ.
(1) الرسالة التسعينية، الفتاوى الكبرى، ج5، ص250-251.