ثبوت وصف الانحياش: لأن الكثير من الناس في هذه المجتمعات لا يستطيع ،أو لا يعرف كيف يعبر عن كرهه وإنكاره لمخاطبه من الأنظمة العلمانية بشرع غير شرع الله، ولأن الناس أخلاطٌ شتى بين من رضى، وتابع، ورغب عن شرع الله إلى غيره، أو عدل بشرع الله غيره، وبين من كره وأنكر. ولأن المواقف غير متميزة بتميز ومباينة واضحة بين الفسطاطات أو الانتسابات، فإن ذلك كله أدخل سترًا على الداخلين في ظواهر الرضا والمتابعة، أو الداخلين في ظواهر الشرك والردة. جعل حالهم أشبه شيء بحال الفرق المنحرفة عن الصراط المستقيم، والمبتدعة في أصول كلية من الدين. وهذا الستر في الحالتين هو الذي يعطي هذه التجمعات أو الطوائف وصف الانحياش إلى الأمة حتى مع ثبوت وصف الردة في الآخرة. وهذا مأخوذ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المقبرة فقال: «السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنينَ وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بكم لاحقون وددت أني قد رأيت إخواننا. قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرطكم على الحوض قالوا يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لأحدكم خيلٌ غُرٌّ محجلة في خيلٍ دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلي يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غرًّا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم ألا هلم فيقال قد بدلوا بعدك فأقول فسحقًا فسحقًا فسحقًا».
يقول الإمام الشاطبي بعد ذكر هذا الحديث: «ولا علينا أقلنا أنهم خرجوا ببدعتهم عن الأمة أو لا إذا أثبتنا لهم وصف الانحياش إليها».