ثم يقول عن المعترض: وأورد أيضًا حديث «أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين، لا تراءى ناراهما» والحجة منه أن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - سمَّاه مسلمًا، فيفيد أن إقامته بين أظهر المشركين لا تخرجه عن الإسلام. فالجواب أن براءة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ممن جلس بين ظهرانيهم إنما كان عقوبة له على مجرد الإقامة بين أظهرهم، وأما إيواؤهم، ونقض العهد لهم، ومظاهرتهم، ومعاونتهم، والاستبشار بنصرهم، وموالاة وليهم، ومعاداة عدوهم من أهل الإسلام، فكل هذه الأمور زائدة على مجرد الإقامة بين أظهرهم، وكل عمل من هذه الأعمال قد توعد الله عليه بالعذاب والخلود فيه وسلب الإيمان، وحلول السخط به وغير ذلك مما هو مضمون الآيات المحكمات التي قد تقدمت. إلى أن يقول: واعلم أن حقيقة حال هولاء المشبهة أن الله تعالى أمر بقتال المشركين فقاتلوا معهم، وأمرهم بالبعد عنهم فآووهم وقربوا منهم، وأمر بمعاداتهم فوالوهم، وأمرهم ببغضهم فوادُّوهم، وأمرهم بأن ينصروا أهل الإسلام فاستنصروا بالكفرة عليهم، ونهوا عن مداهنتهم فداهنوهم، ونهاهم عن كتمان ما أنزل الله من هذا وغيره فكتموه. إلى أن يقول: فجمعوا بين الكتمان والرد على من بين ولم يكتم، والتشبيه والجدال بالباطل، فتركوا ما أوجب الله عليهم وارتكبوا ما حرَّم عليهم، وهذا ظاهر جدًّا لا يرتاب فيه من له أدنى معرفة بالناس، وما وقع منهم فلا يأمنهم ويقربهم بعد هذه العظائم إلا من سفه نفسه. ثم يقول: ولهم شبهة أخرى وهى: أن أبا بكر استأجر عبد الله بن أريقط في طريق الهجرة إلى المدينة، وكان هاديًا خريتًا يدلهم على الطريق، فأحسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحبته، فتكون صحبة العسكر وإعانتهم على المسلمين ونصرتهم لا بأس بها. فيقال: (أولاً) قد ذكرت في الشبهة التي قبل هذه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين» وهذا يناقض ما استدللت به هنا، وحاشا رسول
البلاغ المبين · الصفحة ١٤٠٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ١٤٠٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي