تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يستمر في النقل عن الشوكاني فيقول: وقال في موضع آخر من هذا الكتاب: اعلم أن التعرض لذكر دار الإسلام ودار الكفر قليل الفائدة جدًا لما قدمنا لك في الكلام على دار الحرب، وأن الكافر مباح الدم والمال على كل حال ما لم يؤمَّن من المسلمين، وأن مال المسلم ودمه معصومان بعصمة الإسلام في دار الحرب وغيرها. وإن كانت الفائدة هى ما تقدم من كونهم يملكون علينا ما دخل دارهم قهرًا، فقد أوضحنا لك هنالك أنهم لا يملكون علينا شيئًا، وإن كانت الفائدة وجوب الهجرة عن دار الكفر فليس هذا الوجوب مختصًا بدار الكفر، بل هو شريعة قائمة، وسنة ثابتة عند استعلان المنكر، وعدم وجود من يأخذ على أيدي المنتهكين لمحارم الله تعالى، فحقَّ على العبد المؤمن أن ينجو بنفسه ويفرّ بدينه، إن تمكن من ذلك، ووجد أرضًا خالية عن التظاهر بمعاصي الله، وعدم التناكر على فاعلها، فإن لم يجد فليس في الإنكار أحسن مما كان. وعليه أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، كما أرشد إلى ذلك الصادق المصدوق فيما صحَّ عنه. وإذا قدر على أن يغلق على نفسه بابه، ويضرب بينه وبين العصاة حجابه، كان ذلك من أقل ما يجب عليه. والانتقال من شرٍّ إلى شرٍّ، ومن دار عصاة إلى دار عصاة، ليس فيه إلا إتعاب النفس بقطع المفاوز، فإن كان التظاهر بالمعاصي في غير بلده أقل مما هو ببلده كان ذلك وجهًا للهجرة، وفي الشرِّ خيار، وإذا كانت المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ببقائه ظاهرة، كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في تعليم معالم الخير، بحيث يكون ذلك راجحًا على هجرته، وفراره بدينه، فإنه يجب عليه ترك الهجرة رعاية لهذه المصلحة الراجحة، لأن هذه المصلحة الحاصلة له بالهجرة على الخصوص تصير مفسدة بالنسبة إلى المصلحة الموجدة بتركه للهجرة، وأما كون الهجرة يتحقق بأمر الإمام فوجهه وجوب طاعة الأئمة فيما يأمرون به من

البلاغ المبين · الصفحة ١٢٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البلاغ المبينص ١٢٧٣