والمعنى: «لا ينبغي أن يكون بموضع بحيث تكون نار كل واحد منهما في مقابلة الأخرى، على وجه لو كانت متمكنة من الأبصار لأبصرت الأخرى، فإثبات الرؤيا للنار مجاز. وقال ابن حجر المكي في فتاواه الحديثية معناه أنه يلزم المسلم أن يبعد منزله عن منزل المشركين أي الحربيين، ولا ينزل بموضع إذا أوقدت فيه نار تلوح، وتُظْهِرُ النارَ التي يوقدونها في منزلهم لأن النارين متي ترائيا كان معدودًا منهم. إلى أن يقول: وعن عبد الله بن السعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو» رواه أحمد والنسائي، وأخرجه أيضًا ابن ماجة وابن منده والطبراني والبغوي وابن عساكر. قال الشوكاني في ”نيل الأوطار“: وقد اختلف في الجمع بين أحاديث الباب، فقال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضًا في أول الإسلام على منْ أسلم، لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة، وبقي فرض الجهاد والنية على مَنْ قام به أو نزل به عدو». انتهى.
وقد حكي في ”البحر“: «أن الهجرة عن دار الكفر واجبة إجماعًا، حيث كان حمل على معصية فعل أو ترك أو طلبها الإمام تقوية لسلطانه، وقد ذهب جعفر بن مبشر وبعض الهدوية إلى وجوب الهجرة عن دار الفسق قياسًا على دار الكفر، وهو قياس مع الفارق. والحق عدم وجوبها من دار الفسق لأنها دار إسلام، وإلحاق دار الإسلام بدار الكفر بمجرد وقوع المعاصي فيها على وجه الظهور ليس بمناسب لعلم الرواية ولا لعلم الدراية، وللفقهاء في تفاصيل الدور والأعذار المسوِّغة لترك الهجرة تفاصيل ومباحث ليس هذا محل بسطها» انتهى. وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى.