الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منها واجبة.
الثاني: قادر عليها، لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر منهم.
الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره، فتجوز له الإقامة، فإن حمل على نفسه وتكلف الخروج منها أجر». انتهى.
قال القرطبي في تذكرته: وذلك عند ظهور الفتن وانتشار المنكر وعدم التغيير، فإذا لم يتغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها. فهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم، كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا: لا نساكنكم، وبهذا قال السلف - رضي الله عنهم -. وروى ابن وهب عن مالك قال: تُهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا ولا يستقر فيها. واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا ـ فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها ـ خرَّجه أهل الصحيح. وقال مالك في موضع آخر: إذا ظهر الباطل على الحق كان الفساد في الأرض. وقال: لا تنبغي الإقامة في أرض يكون العمل فيها بغير الحق. إلى أن يقول: وقال البغوي في ”شرح السنة“ عن الجمع بين الحديثين: يحتمل الجمع بينهما بطريق أخرى، فقوله: «لا هجرة بعد الفتح» أي من مكة إلى المدينة، وقوله: «لا تنقطع الهجرة» أراد به هجرة مَنْ أسلم في دار الكفر عليه أن يفارق تلك الدار، ويخرج من بينهم إلى دار الإسلام، لقول النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما». انتهى بتصرف يسير.