نقول لو لم تكن ضرورة الفطرة التي هي أصل العلوم النظرية شرعية وعقلية لم تقم الحجة بالرسل، إذ يجوز أن لا تكون المعجزة دليلاً على صدق الرسول لإمكان تأييد الفاجر بالمعجزة وإذا لم يكن هناك تمييز بالفطرة والعلم الضروري الفطري بين الصدق والبر والكذب والفجور وبين عبادة غير الله والأمر بالفواحش والظلم والكذب والجور، وبين عبادة الله والأمر بالمعروف والعفاف والصدق والصلة والبر والإحسان والعدل لما أمكن التمييز بين أحوال الرسل وأحوال الكهَّان والسحرة والمنجمين والكذبة أتباع الشياطين والدجالين، ولما قامت الحجة على الناس ببعث الرسل لأنه يتعذر التمييز بين الصادق والكاذب بل يتعذر استعمال اللغة أصلاً. فما العدل وما الظلم وما العفاف وما هي الصلة وما هو البر وما هو الكذب وما هو الفجور، ولماذا تسمي هذه الأفعال أو تلك بهذا الاسم أو ذاك وإذا أمكن التسمية فلماذا يكون العدل حسنًا والظلم قبيحًا، ولماذا يكون الصدق والبر حسنًا والكذب والفجور قبيحًا، ولماذا يأمر النبيُّ بالعدل والإحسان ولا يأمر بالفواحش والشرك، إذا قلنا أن معرفة هذه الأسماء نفسها لا تعرف إلا بالشرع. وإذا عرفت باللغة والعرف والفطرة فقبحها وحسنها لا يعرف إلا بالشرع لزم الدور القبلي أو دخلت في الاستعمال الحديث في حلقة مفرغة، فمعرفة الصادق من الكاذب لا تعرف إلا بالفرق بين أحوال الرسل وغيرهم مع المعجزة ولا يعرف الفرق إلا بمعرفة أسماء هذه المسميات وإدراك حسن الحسن وقبح القبيح منها، وإدراك هذا لا يعرف إلا من طريق الرسل والشرع فإذا لم يكن هناك تمييز بالفطرة قبل الرسل بدلالة المعجزة والأحوال كيف يعرف الرسول من المدَّعي وكيف يصدقه إذا عرَّف له العدل والظلم وبيَّن حسن هذا وقبح ذلك، وهو لم يعرف أنه رسول ليأخذ بقوله فإذا لم يستقم له التمييز بالفطرة لا يستقيم له التمييز بالشرع، لأن التمييز بالفطرة هو الذي يحدد له طريق الاتباع، واحتجاج المشركين بأن
البلاغ المبين · الصفحة ١٠٥٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
البلاغ المبينص ١٠٥٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي